أ. عمر بن سليمان بوضبرة

يُعتبر الوقف من أقدم الأفكار التي عرفها الإنسان من أجل تنمية حياته الروحية والمادية والفكرية. وقد سجّل القرآن الكريم أن البيت الحرام هو أقدم وقف وضع لعبادة الله تعالى، وقبله فقد عرف الصّينيون والفراعنة واليونان وقف عدة أماكن بعضها للعبادة، وقد دلّت الوثائق أن رَيعُها كان يُنفق على الفقراء والمساكين.

وقد أشارت السّنة المطهرة إلى كثير في هذا المجال انطلاقا من بناء المسجد النبوي إلى بساتين "مخيريق"، إلى بئر رومة التي أوقفها عثمان بن عفان، إلى وقف أرض عمر بن الخطاب التي أشار له الرّسول صلى الله عليه وسلم فيها إلى حبس أصلها وجعل ثمرها في وجوه الخير، فكانت الوقف الاستثماري الأشهر بين الفقهاء، واعتبر أساس مشروعية مبدأ الوقف.

وفي واقعنا المعاصر تؤلف الأموال الوقفية جزءً مُهما من الثروة المجتمعية في عدد كبير من الدّول الإسلامية وغيرها، في سبيل إنماء القطاع الخيري غير الحكومي.

وقد أبدع المسلمون في مصارف الأوقاف مع مرِّ العصور المختلفة؛ فقد تعدّت الأوقاف دُور العبادة والمدارس والمكتبات إلى أوقاف على العاجزين عن الحجِّ، وأخرى لتجهيز البنات إلى أزواجهنَّ، ومنها أوقاف لفك الأسارى ولأبناء السّبيل ومنها على تعديل الطّرق ورصفها، وخدمة النازحين و النَّاجين من الحروب وعلى المستشفيات وخدمة المرضى، وحتى جبر القلوب وإصلاح ذات البين.

وقد اعتنى العالَم الغربي حاليا بموضوع الوقف وتفوقوا على المسلمين أنفسهم. ومن أبرز النّماذج هنا نذكر نموذج الجامعات الوقفية في العالم ومنها جامعة هارفارد الأميركية التي تمتلك أكبر حجم من الأوقاف عالميًا، يصل إلى نحو 36.5 مليار دولار (عام 2016)، متفوقة بذلك على ميزانيات بعض الدول العربية لعام 2015، مثل تونس (15.96 مليار دولار).

وبحسب الأكاديمي الإماراتي طارق عبد الله في حوار له مع مركز دراسات التنمية "نماء"، فإن ما يقرب من 90 بالمائة من الجامعات الغربية تعتمد بشكل جزئي أو كلي على أموال الوقف وأن الجامعات الوقفية في الولايات المتحدة الأميركية كأحد أشهر النماذج رسّخت لعلاقة وطيدة بين ثقافة التبرع للمواطن الأمريكي في الميادين الأكاديمية وبرامج البحث العلمي. بحيث لا يمكن تصور البنية التحتية العلمية في الولايات المتحدة الأميركية من دون الوقف.

المصادر:
كتاب توثيق الوقف العقاري أ. عيسى محمد بوراس.
مطالعات على الأنترنت، بتصرف.